رسالة فيصل القاسم تهز مواقع التواصل الاجتماعي
**ليس كل المكوعين سواء: بين التكويعة السياسية والعدالة**
في مقالته الأخيرة "ليس دفاعاً عن المكوعين"، يطرح دكتور فيصل القاسم إشكالية التعامل مع ظاهرة "التكويع" في سوريا، وهي الظاهرة التي أصبحت سمة بارزة في المشهد السياسي السوري بعد سنوات من الصراع الدامي. فبعد سقوط النظام السابق، برزت محاولات كثيرة من قبل شخصيات كانت مرتبطة بالنظام الفاشي لتغيير ولاءاتها والانضمام إلى المعسكر الآخر، أو ما يُعرف بـ"التكويع". ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل علينا أن نقبل بكل أنواع المكوعين في سوريا اليوم، أم أن هناك فرقاً بين من يستحق التكويعة ومن لا يستحقها؟
بدايةً، لا يمكن إنكار أن السياسة، كما يقول المثل، هي "لعبة تكويعية" بامتياز. فالتقلبات في المواقف والولاءات ليست جديدة في التاريخ السياسي، بل هي جزء من طبيعة الصراعات والتحولات الكبرى. لكن هذا لا يعني أن نفتح الباب على مصراعيه لكل من أراد أن "يكوع" دون تمييز أو محاسبة. ففي سوريا، هناك فرق كبير بين من كانوا مجبرين على الصمت أو التأييد الظاهري للنظام خوفاً على حياتهم وأرزاقهم، وبين من كانوا شركاء في الچرائم والقتل والتعفيش.
الأغلبية الساحقة من السوريين لم تكن موالية للنظام السابق بالمعنى الحقيقي، بل كانت مضطرة إلى الصمت أو حتى إلى تأييده زوراً وبهتاناً تحت وطأة القمع والترهيب. فالنظام السوري لم يكن يقبل بأي شكل من أشكال المعارضة، حتى لو كانت نصيحة بريئة. وكان كل من يجرؤ على انتقاد النظام يُلقى به في غياهب السجون أو يُقتل خارج نطاق القانون. لذلك، فإن قبول تكويعة هؤلاء الذين كانوا "مغلوبين على أمرهم" ليس أمراً مستهجناً، خاصة إذا كانوا قد عانوا هم أنفسهم من ويلات النظام وقمعه.
لكن الأمر يختلف تماماً عندما نتحدث عن #الشبيحة الكبار، أولئك الذين كانوا شركاء للنظام في چرائمه البشعة. هؤلاء ليسوا مجرد سياسيين تغيرت مواقفهم لدوافع نفعية، بل هم مچرمون ارتكبوا جرائم قتل وتعذيب ونهب. إن محاولاتهم اليوم للتكويع لا يجب أن تمر دون محاسبة. فالتكويعة هنا ليست مجرد تغيير في المواقف السياسية، بل هي محاولة للتهرب من المسؤولية ومن العدالة.
هؤلاء المچرمون يجب أن يواجهوا المحاكمات العادلة، وأن يدفعوا ثمن جرائمهم قبل أن يُقبل أي تحول في ولاءاتهم. فالتكويعة ليست مجانية، ولا يجب أن تكون وسيلة للتهرب من العقاپ. فمن قتل وعذب ونهب لا يمكن أن يُمنح شهادة "لا كوع عليه" بسهولة، كما يتندر السوريون هذه الأيام. العدالة يجب أن تكون هي الأساس، ولا يمكن التهاون في محاسبة المجرمين، بغض النظر عن محاولاتهم لتغيير ولاءاتهم.
في النهاية، فإن قبول التكويعة يجب أن يكون مشروطاً بالعدالة والمساءلة. فليس كل المكوعين سواء، وهناك فرق بين من كان ضحېة للنظام وبين من كان جلاداً. فالتكويعة السياسية قد تكون جزءاً من اللعبة، لكنها لا يجب أن تكون وسيلة لإفلات المجرمين من العقاپ. العدالة هي الطريق الوحيد لبناء مستقبل أفضل لسوريا، ولا يمكن تحقيق ذلك دون محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري.